د. خلود الخطيب
لا تعتبر قضية الأسرى الفلسطينيين داخل سجون ومعتقلات
الاحتلال الإسرائيلي قضية إنسانية فحسب، بل هي دلالة صارخة
لانتهاك أبسط الحقوق الإنسانية الطبيعية والكرامة المتأصلة، ومخالفة صارخة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون
الدولي لحقوق الإنسان. فلا توجد قضية تسلط الضوء على إنكار إسرائيل لحرية الفلسطينيين وحرمانهم منها مثل قضية الأسرى الفلسطينيين، الذين تعرضوا الى واحدة من أعلى معدلات الأسر في العالم. فمنذ
العامة1967 اعتقلت دولة الاحتلال وأسرته ما يزيد عم 800,000
مواطنا
فلسطينياً.
إن قضية الاعتقال والأسر من أكثر
القضايا التي يمكنها ان تعكس سياسة الاحتلال
في توظيف القانون لأغراض سياسية، فبعد الاحتلال عام 1967 رفضت اسرائيل تطبيق اتفاقيات جنيف الأربع على الأرض
المحتلة بحجة أنها لم تقم باحتلال هذه الأرض من
دولة ذات سيادة، وإنما باشرت
بإصدار أوامر عسكرية ترتب إجراءات الاعتقال والمحاكمة وتعريف المخالفات والجرائم
وفقا للأوامر العسكرية. وهذا دلالة واضحة على العنصرية الإسرائيلية وسياسة الانتقام والعداء لقيم
حقوق الإنسان، فمن حق الشعب الفلسطيني مقاومة الاحتلال من أجل حق تقرير مصيره، وأن
من يقع في قبضة المحتل يكتسب صفة المحارب القانوني والشرعي وفق قرارات الأمم
المتحدة. ولا يجوز لهذه القوانين العسكرية أن تعلو على القانون الدولي".
في المقابل، أكد المجتمع الدولي
مراراً وتكراراً، رفضه سياسة إسرائيل وموقفها من عدم تطبيق القانون الدولي، ولا
سيما اتفاقيات جنيف الأربع والقانون الدولي لحقوق الإنسان على الأرض الفلسطينية
المحتلة. وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ـ المُقرِّران الخاصان لحقوق
الإنسان، (لجنة حقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان) ـ عشرات القرارات التي عادت
وأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإطار القانوني الناظم لمسؤولية الاحتلال
الإسرائيلي عن الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة هو القانون الدولي الإنساني.
فالسؤال الأساسي: هل يحق لدولة الاحتلال اعتقال مئات
الآلالف من الفلسطينيين ومحاكمتهم أمام محاكمها العسكرية غير العادلة، ومعاملتهم
كمجرمين في ظل حقهم المشروع في مقاومة الاحتلال لنيل حق تقرير المصير؟
وفق قواعد القانون الانساني الدولية وقواعد القانون الدولي لحقوق الانسان الآمرة فإن حكومة الاحتلال الإسرائيلي قد ارتكبت مخالفات
جسيمة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في معاملتها للأسرى بما ينتهك القانون
الدولي الإنساني وبما يخالف المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف والبرتكول
الإضافي الأول وقرارات الأمم المتحدة وأبرز هذه الانتهاكات الجسيمة هي:
أولا: احتجاز
الاسرى الفلسطينيين في
سجون داخل الدولة المحتلة بما يخالف معاهدة جنيف الرابعة التي تحظر نقل الاسرى
من منطقة واقعة تحت الاحتلال إلى الدولة المحتلة.
ثانيا :استخدام
أساليب تعذيب ومعاملة مهينة بحق الاسرى خلال
استجوابهم بهدف انتزاع معلومات منهم بما يخالف المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف
الرابعة المادة 147 وبما يخالف اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة
لعام 1984 والتي تعتبر جميع أعمال التعذيب جرائم حرب في المادة الرابعة من
الاتفاقية.
وقد
تصرفت إسرائيل كدولة فوق القانون في استخدامها أساليب تعذيب قاسية ووحشية بحق
الاسرى بما فيهم الأطفال منذ لحظة اعتقالهم، ويحظى التعذيب بغطاء قانوني في
التشريعات والمحاكم الإسرائيلية تحت حجة (مكافحة الإرهاب)، وحظي المحققون بحصانة
قانونية، حيث لم يحاسب أو يحاكم أي محقق أو المسؤول عنه عندما وقعت جرائم ضد
الاسرى خلال التحقيق.
ثالثا :اعتقال
الأطفال القاصرين، لا تزال دولة الاحتلال تعتقل الأطفال وتتعامل
معهم بدون أي حماية أو حقوق، ولم تلتزم باتفاقية حقوق الطفل لعام 1990 بأن الطفل
هو من لم يتجاوز سن الثامنة عشرة، بل تعاملت مع الأطفال على أساس من لم يتجاوز سن
أل 12 عاما ، وبلغت نسبة اعتقال القاصرين سنويا 700 طفل أصغرهم بلغ من العمر 8
سنوات ويحاكموا في محاكم عسكرية . وتشير التقارير الحقوقية الى تعرض 95% من
الأطفال لأساليب تحقيق وتنكيل مذلة ومهينة خلال اعتقالهم واستجوابهم، وحيث انتزعت
اعترافات منهم بالقوة وتحت الضغط والتهديد، واحتجزوا في ظروف قاسية وصعبة، وبعضهم
تعرض لاعتداء جنسية وحبس انفرادي وحرمان من زيارات المحامين.
رابعا:
الإهمال الطبي : تبين تقارير مؤسسات حقوق الإنسان عن وجود سياسة
إهمال طبي وعدم تقديم العلاج اللازم للأسرى المرضى مما يفاقم إصابتهم بالأمراض
المستعصية حيث وصلت الحالات المرضية بالسجون إلى ما يزيد عن 1400 حالة، منها 25
حالة مصابة بالسرطان، إضافة إلى حالات مصابة بالأورام والشلل والإعاقة والإصابات
بالرصاص.
وتتلخص
السياسة الطبية بالسجون بالمماطلة بالعلاج وعدم نقل الاسرى المرضى إلى المستشفيات،
سوء التشخيص، والوقوع في أخطاء طبية ، عدم نقل المرضى في سيارات إسعاف، عدم وجود
أطباء مختصين، سوء أماكن الاحتجاز.
خامسا:
الاعتقال الإداري لازالت إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداري بحق
الاسرى بطريقة تعسفية بدون محكمة أو لائحة وتجدد هذا الاعتقال بشكل مستمر دون
إعطاء أي مجال للأسير أو لمحاميه بالدفاع عنه، مستندة إسرائيل إلى ما يسمى (الملف
السري) الذي تقدمه أجهزة الأمن الإسرائيلي. وقد صدر أكثر من 23 ألف أمر اعتقال
إداري بحق الاسرى منذ عام 2000، شمل كافة شرائح المجتمع الفلسطيني بما فيهم النواب
المنتخبين في المجلس التشريعي الفلسطيني.
سادسا:
غياب المحاكمة العادلة. وترفض إسرائيل تطبيق نصوص اتفاقيات جنيف الرابعة
لحماية المدنيين أثناء الحرب بما يتعلق بالمرافعات القضائية، وتمتاز محاكم
الاحتلال الإسرائيلي بالتمييز، فالعقوبات القصوى في القضاء المدني الذي يحاكم على
أساسه الإسرائيليون تعتبر مخففة وأقل قسوة من تلك الموجودة في القضاء العسكري الذي
يحاكم على أساسه الفلسطينيون.
سابعاً:
سن وإقرار تشريعات عنصرية:
من أبرز هذه القوانين قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين عن
الطعام، وقانون اعدام الاسرى، وقانون منع زيارات الاسرى، وقانون عدم توثيق ممارسات
التعذيب خلال استجواب الاسرى، وقانون إعادة اعتقال الاسرى المحررين وغيرها، وجميعها قوانين عنصرية وتتناقض مع القانون الدولي والقانون
الدولي الإنساني، ومع اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، ومع ميثاق وقرارات الأمم
المتحدة.
9- انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني
:
كل هذه الممارسات لدولة
الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين، والمس بالظروف المعيشية لهم وحرمانهم
من حقوقهم المكتسبة داخل المعتقلات، وإتباع
سياسة العقاب الجماعي بحقهم، والمس بكرامتهم الإنسانية وحقوقهم المنصوص
عليها في القانون الدولي انتهاكاً للمعايير الدولية ذات العلاقة ولكل من مواد
اتفاقية جنيف الثالثة حول أسرى الحرب للعام 1949، كما وتشكل انتهاكات فاضحة وجسيمة
لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بموجب المادة 147
من اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، بل ترتقي تلك الانتهاكات إلى جرائم حرب
وجرائم ضد الإنسانية.\
هذه الثوابت تخضع لمجموعة
من الأسس والدعائم القانونية الثابتة المتمثلة بما يلي:
أولا:حصول
فلسطين على دولة مراقب في الأمم المتحدة بتاريخ
29/11/2012، بحيث أصبحت فلسطين بموجبه أحد أشخاص القانون الدولي الذي ينظم العلاقة
بين الدول، وبما يضع حدا للمزاعم الإسرائيلية بأن الأرض الفلسطينية متنازع عليها
وتأكيد جديد لكل قرارات الأمم المتحدة السابقة
ثانيا: انضمام فلسطين إلى 30 معاهدة واتفاقية دولية مما يترتب عليه تفعيل القوانين الدولية كمرجعية
وإلزام إسرائيل كدولة قائمة بالاحتلال على احترام أحكام ومبادئ تلك الاتفاقيات في
معاملتها للأسرى القابعين بالسجون.
ثالثا:
ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها التي
أكدت على حق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وحقه في تقرير مصيره، وانه يتوجب
على كل عضو في الأمم المتحدة الحفاظ على تقرير المصير للأمم الأخرى واحترامه، وأن
إخضاع الشعوب للاستعمار الأجنبي وسيطرته واستغلاله يتناقض وميثاق الأمم المتحدة
وينكر حقوق الإنسان الأساسية ويشكل عائقا أمام السلم والتعاون الدوليين، وما صدر
من قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تؤكد على حق ومشروعية مقاومة
الشعوب لكافة الأعمال القسرية التي تحول بينها وبين الوصول إلى حقها في تقرير
المصير ودعمها ومساندتها لحركات التحرر الوطني التي تسعى لنيل الاستقلال والتخلص
من الاستعباد والتسلط الأجنبي.
فالمحاور الثلاث السابقة تشير إلى عدم صحة الادعاء
الإسرائيلي التي رفضت تطبيق اتفاقيات جنيف على الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت
ذريعة أنها لا تتبع لأي دولة ذات سيادة وانه لا يوجد دولة ادعت سيادتها عليها.
ولعل ما
تم استعراضه سابقا يشير بشكل واضح الي أن قوات
الاحتلال الإسرائيلي تجاوزت التزاماتها وصلاحياتها كدولة احتلال، وتصرفت على أنها
دولة ذات سيادة على الأرض المحتلة، كما ويؤكد على عدم التزام إسرائيل بالقوانين الدولية في تعاملها
مع الاسرى، وجعل من سياساتها شكلاً من أشكال الاستعمار والفصل
العنصري حيث هناك العديد من المخالفات الجسيمة كالإبعاد،
والعزل الانفرادي، وحرمان الاسرى من زيارات عائلاتهم، والابرتهايد، والقتل العمد
والإعدام خارج نطاق القضاء بحق الاسرى، واستخدام الاسرى دروعا بشرية، احتجاز جثث
الاسرى، والاختطاف، هذا
فضلاً عن إنكار إسرائيل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وغيرها
والتي تدعو اتفاقيات جنيف الدول الأعضاء إلى محاكمة الأشخاص المهتمين بخروق
قانونية جسيمة كهذه أو تسليمهم إلى دول مستعدة لمحاكمتهم.
إن تعذيب المعتقلين الفلسطينيين سياسة ثابتة
ومستمرة ومستخدمة على نطاق واسع ، وتطال جميع المعتقلين الفلسطينيين وترقى
لاعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأن اعتقالهم يتم بموجب الأوامر
العسكرية التي تجرم كافة مناحي الحياة الفلسطينية في انتهاك فاضح مستمر لاتفاقيات
جنيف الأربع وتتم محاكمتهم أمام محاكم عسكرية فاقدة للاستقلالية والقانونية التي أشترطتها
اتفاقية جنيف الرابعة والعديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية و معاملتهم بموجب
لوائح مصلحة السجون التي تصنفهم باعتبارهم سجناء أمنيين وتحرمهم من أبسط حقوقهم
الإنسانية
أن قضية الأسرى السياسيين الفلسطينيين وموقعهم
القانوني يجب أن تُطرح كجزء مهم من السؤال الجوهري بشأن قانونية الاحتلال
الإسرائيلي طويل الأمد أمام محكمة العدل الدولية، وذلك من أجل اتخاذ التدابير
اللازمة الكفيلة بتحريرهم.
المراجع
1-
البعد القانوني لقضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلا، إعداد الدائرة القانونية، بوزارة شؤون الأسرى و المحررين
3-
موقع الأسرى
الفلس
في القانون الدولي الانساني(سحر
فرنسيس - محامية فلسطينية ومديرة مؤسسة "الضمير" لرعاية
الأسير وحقوق الإنسان، نشر هذا المقال في العدد 98 من مجلة الدراسات الفلسطينية
الصادر في أذار 2014
4- الإطار
القانوني لمعاملة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لوائح مصلحة السجون في عين
القانون الدول، بقلم: مراد جاد الله
BADIL Resource Center for
Palestinian residency and refugee camps
5- الأسرى السياسيون الفلسطينيون: ما بين القانون الدولي
والواقع السياسي، سحر فرنسيس BADIL Resource Center for
Palestinian residency and refugee camps
6- دولة
فلسطين، منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة شؤون المفاوضات، الأسرى السياسيون
الفلسطينيون، تموز2015
No comments:
Post a Comment